عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
393
اللباب في علوم الكتاب
قوله : وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ « أنفسهم » مفعول ل « يظلمون » وفيه دليل على تقديم خبر « كان » عليها ؛ لأنّ تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل غالبا ، لأنّ ثمّ مواضع يمتنع فيها ذلك نحو : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [ الضحى : 9 ] ف « اليتيم » مفعول ب « تقهر » ولا يجوز تقديم « تقهر » على جازمه ، وهو محتمل للبحث . وهذه الجملة الكونية تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون نسقا على الصلة وهي « كَذَّبُوا بِآياتِنا » والمعنى : الذين جمعوا بين التكذيب بآيات اللّه ، وظلم أنفسهم . والثاني : أن تكون مستأنفة ، أي : وما ظلموا إلا أنفسهم بالتّكذيب ، وعلى كلا القولين فلا محلّ لها ، وقدّم المفعول ، ليفيد الاختصاص وهذا على طريق الزمخشريّ وأنظاره كأنّه قيل : وخصوا أنفسهم بالظّلم ، وما تعدى أثر ذلك الظّلم عنهم إلى غيرهم . قوله : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي راعى لفظ « من » فأفرد ، وراعى معناها في قوله فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فجمع ، وياء « المهتدي » ثابتة عند جميع القرّاء ، لثبوتها في الرسم ، وسيأتي الخلاف في التي في الإسراء . وقال الواحديّ : فهو المهتدي يجوز إثبات الياء فيه على الأصل ، ويجوز حذفها استخفافا ؛ كما قيل في بيت الكتاب : [ الوافر ] 2626 - فطرت بمنصلي في يعملات * دوامي الأيد يخبطن السّريحا « 1 » وعنه : [ الكامل ] 2627 - كنواح ريش حمامة نجديّة * ومسحت باللّثتين عصف الإثمد « 2 » قال ابن جني : شبّه المضاف إليه بالتنوين فحذف له الياء . فصل [ في أن الهداية من اللّه وأن الضلال من اللّه ] لمّا وصف الظّالمين وعرّف حالهم بالمثل المذكور بيّن في هذه الآية أنّ الهداية من اللّه ، وأنّ الضّلال من اللّه ، وذكر المعتزلة ههنا وجوها من التأويل : أحدها :
--> ( 1 ) البيت لمضرس بن ربعي . ينظر : الكتاب 1 / 27 ، والخصائص 2 / 269 ، والإنصاف 2 / 545 ، والمنصف 2 / 73 ، والمغني 1 / 225 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 62 ، وشرح شواهد الشافية ص 481 ، ولسان العرب ( ثمن ) ، ( يدي ) وله أو ليزيد بن الطثرية في شرح شواهد المغني ص 598 والمقاصد النحوية 4 / 591 ، والأشباه والنظائر 2 / 60 ، والإنصاف 2 / 545 ، وجمهرة اللغة ص 512 وخزانة الأدب 1 / 242 ، الخصائص 2 / 269 ، سر صناعة الإعراب ص 519 ، 7772 ، الدر المصون 3 / 374 . ( 2 ) البيت لخفاف بن ندبة ينظر الكتاب 1 / 27 ، العمدة 2 / 271 ، الإنصاف 2 / 546 ، ابن يعيش 3 / 140 ، المغني 1 / 105 ، سر صناعة الإعراب 2 / 772 ، شرح أبيات سيبويه 1 / 416 ، شرح المفصل 3 / 140 ، مغني اللبيب 1 / 105 ، المنصف 2 / 229 ، اللسان ( تيز ) ، الدر المصون 3 / 374 .